سيد محمد طنطاوي
85
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وإن في ذلك التسلسل دليلا على أن اللَّه - تعالى - قد اقتضت حكمته أن يجعل في الإنسانية من يهديها إلى الصراط المستقيم فقد ابتدأت الهداية بآدم أبى البشر كما قال - تعالى - : ثُمَّ اجْتَباه رَبُّه فَتابَ عَلَيْه وهَدى ثم جاء من بعده بقرون لا يعلمها إلا اللَّه نوح - عليه السّلام - فمكث يدعو الناس إلى وحدانية اللَّه وإلى مكارم الأخلاق « ألف سنة إلا خمسين عاما » ثم جاء من بعد ذلك إبراهيم - عليه السّلام - فدعا الناس إلى عبادة اللَّه وحده ، فكان هو صفوة الخلق وفيهم النبوة فمن إسماعيل بن إبراهيم كان محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي ختمت به الرسالات السماوية . ومن إسحاق وبنيه كان عدد من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون . . ومن فرع إسحاق كان آل عمران وهم ذريته وأقاربه كزكريا ويحيى وعيسى الذي كان آخر نبي من هذا الفرع . وفي التعبير بالاصطفاء تنبيه إلى أن آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران صفوة الخلق ، إذ أن الرسل والأنبياء جميعا من نسلهم . وقوله * ( عَلَى الْعالَمِينَ ) * أي على عالمي زمانهم . أي أهل زمان كل واحد منهم . ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بتسلسل هذه الصفوة الكريمة بعضها من بعض فقال * ( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) * وأصل الذرية - كما يقول القرطبي - فعلية من الذر ، لأن اللَّه - تعالى - أخرج الخلق من صلب آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم - وقيل هو مأخوذ من ذرأ اللَّه الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم ، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين » « 1 » . والمعنى : أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض ، فهم متصلو النسب ، فنوح من ذرية آدم ، وآل إبراهيم من ذرية نوح ، وآل عمران من ذرية آل إبراهيم ، فهم جميعا سلسلة متصلة الحلقات في النسب ، والخصال الحميدة . وقوله * ( ذُرِّيَّةً ) * منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * أي هو - سبحانه - سميع لأقوال عباده في شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفي شأن غيرهم عليم بأحوال خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه خافية تصدر عنهم . والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها ، ومؤكد له . ثم حكى سبحانه ما قالته امرأة عمران عندما أحست بعلامات الحمل فقال تعالى : * ( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي ) * والظرف « إذ » في محل النصب
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 2 ص 107 .